المقريزي

69

إمتاع الأسماع

وخواتيمهم ، ثم عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا فرد سلامهم ، ثم قال : والذي بعثني بالحق لقد آتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم . ثم ساءلهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له : ما تقول في عيسى بن مريم ؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى يسرنا إن كنت نبيا أن نعلم ما نقول فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما عندي فيه شئ يومي هذا ، فأقيموا حتى أخبركما بما يقال في عيسى . فأصبح الغد ، وقد أنزل الله - تعالى - هذه الآية : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * ألحق من ربك فلا تكونن من الممترين * فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) ( 1 ) . فأبوا أن يقروا بذلك ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة وله يومئذ عدة نسوة ، فقال شرحبيل لصاحبيه : يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار بن فيض قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي وإني والله أرى أمرا مقبلا ، إن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعن في عينه ، ورد عليه أمره ، لا يذهب لنا من صدر ولا من صدور قومه حتى يصيبونا بجائحة وإنا لأدنى العرب منهم جوارا ، وإن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك ، فقال له صاحباه : فلما الرأي يا أبا مريم ؟ فقد وضعتك الأمور علي ذراع ، فهات رأيك ، فقال : رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا ، فقالا له : إذا أنت وذاك . فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك ، فقال : وما هو ؟ قال شرحبيل : حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا جائز ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعل وراءك أحد يثرب عليك ، فقال شرحبيل : سل صاحبي ، فسألهما ، فقالا له : ما يرد الوادي أحد منا ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كافر ، أو قال : جاحد موفق .

--> ( 1 ) آل عمران : 59 - 61 .